الأرض هي الغاية..؟!
مصطفى إنشاصي
كان من ضمن الأخبار التي لفتت انتباهي ذلك اليوم الذي كتبت فيه حلقتي الأردن الوطن البديل خبر يقول أن النائب العربي في الكنيست محمد بركة استهجن تطوع وسائل إعلام عربية لتبني مزاعم أن حكومة (إسرائيل) ليست قادرة على التقدم بالعملية السياسية بسبب أزمتها الداخلية، من دون أن تتعمق أكثر في الحقيقة. وقال رئيس كتلة الجبهة الديمقراطية البرلمانية، إن حكومات (إسرائيل) اعتادت على استغلال أزماتها الداخلية للتهرب من العملية السياسية ومستحقات (السلام)، وهي ذرائع واهية. الخليج الإماراتية بتاريخ 28 /6/2008. هكذا نحن دائماً؛ كلما قبل رئيس وزراء للعدو اليهودي بما هو في ظاهره تنازل اعتبرناه قوة خارقة فينا وضعف فيهم أو فيه...إلخ. ونصنع منه انتصارات زائفة لهذا التنظيم أو ذاك، ونبدأ نبني على أساس ذلك سياساتنا الخارجية أو الداخلية، ولم نتعلم أو نغير تلك الأُسس التي نبني عليها تلك السياسة على الرغم من تكشف كثير من الحقائق التي تثبت خطأ قراءتنا لموقف أعداء الأمة والوطن.
أُولمرت ضعيف أو قوي
كثر الحديث عن ضعف رئيس وزراء العدو اليهودي، أيهود أُولمرت، فهناك من كان يرى أن حكومته ليس لديها أجندة وبرنامج سياسي واضح (وقد سبق أن قيل ذلك عن شارون)، وأن حكومته خلال الأشهر الأخيرة تمر في حالة احتضار ويطالبه البعض بالاستقالة من منصبه، وقبلها كثر الحديث عن تقرير لجنة فينوغراد الأول والثاني. وأخيراً أن حكومته حكومة تسيير أعمال...إلخ وأن ذلك ما يمنعه من الدخول في مفاوضات، لأن إجراء أي مفاوضات من منطلق ضعف يعتبر بمثابة كارثة لكيان العدو اليهودي. وعليه يرى البعض أن حكومة أُولمرت ترفض استئناف العملية السياسية بشكل جدي على كافة المسارات، وأن توجهها إلى المفاوضات ليس من أجل تحقيق السلام ضمن حدود آمنة يمكن حمايتها، والإصرار على الحد الأدنى في القضايا السياسية والأمنية للكيان اليهودي، وإنما لإنقاذ نفسها من المأزق الذي تعيشه داخلياً وخارجياً.
ذلك ما يثير دهشتنا؛ وإن كان هناك أُمور كثيرة تثير الدهشة والعجب في تحليلات البعض أو رؤيته وفهمه للآخر اليهودي، وتؤكد أن الكثيرين منهم يُلغون عقولهم، ويتخلون عن تجاربهم وخبراتهم، عندما يقبلون على أنفسهم أن يرددوا بعض الآراء السياسية ذات العلاقة بكيان العدو اليهودي، دون النظر فيها وتمحيصها ومعرفة مدى صحتها من عدمه. وكذلك دون استحضار التجارب القريبة التي تكرر فيها نفس الموقف والرأي وكانت النتيجة خاطئة بسبب قراءة خاطئة وغير صحيحة لحقيقة الأسس التي تُبنى عليها المواقف اليهودية، وخاصة ذات العلاقة بقضايا الحل النهائي والثوابت اليهودية. وذلك راجع إما إلى قراءة خاطئة للحركة الصهيونية وتاريخ الصراع مع كيان العدو اليهودي، ترتب عليه جمود من جمدوا على تلك المفاهيم والرؤية، ولم يعودوا قادرين على تغييرها أو تبديل بعضها وتجديدهم لبعض جوانب تلك الرؤية.
وآخر هذه الحالات موقف أيهود أُولمرت الضعيف داخلياً بعد فشله في حرب لبنان الأخيرة، وتكشف كثير من قضايا الفساد المتورط فيها، وغيرها. وكثرة الحديث عن ضعفه وكأن هناك علاقة وثيقة بين ذلك الضعف وعدم تقديمه تنازلات أو توقيعه على تهدئة! غافلين ومتناسين أن أُولمرت يوم كان رئيس بلدية القدس هو الذي لعب الدور الأكبر في توحيد شطري المدينة وتهويدها، وأنه هو من وضع أو أشرف على وضع معظم خطط اغتصاب الأراضي فيها ...إلخ. كما أنه هو صاحب فكرة خطة فك الارتباط مع قطاع غزة التي تبناها ونفذها شارون، وهو الذي أعلن في أكثر من مناسبة أنه لا مكان لدولتين بين البحر المتوسط ونهر الأردن. كما أنهم يتحدثون عن ضعفه وتوقيعه تهدئة ويتجاهلون أن مشاريع وسياسة اغتصاب وتهويد الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، لم تهدأ ولم تتوقف، وأن عدوانه على الضفة واغتيال المناضلين والمجاهدين لن يتوقف، غافلين على أن ذلك وغيره هو جزء من خطة الانطواء التي أعلن عن تنفيذها في الضفة الغربية بعد الخروج من قطاع غزة؛ التي هدفها الأساسي تدمير كل الأسس التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطينية مستقلة قادرة على الحياة وعاصمتها شرق القدس.
الأرض هي الغاية
علماً أن تلك السياسة هي سياسة العدو اليهودي الوحيدة الثابتة التي لم تتغير، سواء قبل إطلاق ما يسمونه عملية (السلام) في مدريد أو في أُوسلو من بعدها، أو سواء كان رئيس وزراء ذلك الكيان قوياً أو ضعيفاً. لأنه هناك حد أدنى من الثوابت الصهيونية التي لا يستطيع أي يهودي التخلي عنها مهما كانت قوته أو ضعفه داخلياً أو خارجياً. وفي الوقت نفسه أن تلك السياسة مارستها جميع حكومات العدو اليهودي بغض النظر عن قوة أو ضعف رئيس وزرائه داخلياً؛ وذلك لثبات السياسة الخارجية اليهودية مع العرب والفلسطينيين خاصة، فيما يتعلق بالأرض، وقضيتي القدس واللاجئين.
أما سياسة لا يوجد شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه؛ وفي الوقت نفسه الاستمرار في سياسة اغتصاب وتهويد الأرض الفلسطينية، التي مارسها رئيس وزراء كيان العدو اليهودي السابق أريئيل شارون، ويمارسها الآن خلفه أيهود أُولمرت، هي في الأصل ليست من ابتكار ما يسمى اليمين الصهيوني، ولكن الذي وضعها ومارسها وجعلها ثابت من ثوابت سياسة العدو اليهودي، هو من يفترض فيه أنه اليسار الصهيوني بحسب تصنيف مَنْ يؤمنون بذلك. ذلك اليسار الصهيوني هو من أعلن عن تلك السياسة والثوابت لتكون نهجاً سياسياً لليمين الصهيوني الذي سيخلفه في الحكم، وذلك بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، حيث أعلن أيهود باراك رئيس وزراء العدو اليهودي آنذاك: أنه لا يوجد شريك فلسطين. أما وزير خارجيته الحمائمي بحسب تصنيف أنصار الصقور والحمائم في حزب العمل اليهودي؛ فقد كان أكثر وضوحاً في تحديد الهدف الرئيس لسياسة الحكومات الحكومة التي ستخلف حكومة باراك، عندما قال: الآن بدأت المعركة الأخيرة على الأرض، علينا ضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض قبل توقيع أي اتفاق (سلام) مع الفلسطينيين.
تلك هي حقيقة المعركة الدائرة على الأرض الآن، المعركة الأخيرة التي لا علاقة لها بضعف أو قوة أُولمرت أو غيره من وزراء كيان العدو اليهودي، ولكن لها علاقة بالثوابت اليهودية ومدى الحفاظ عليها، وتحقيق أكبر قدر منها قبل توقيع أي اتفاق سواء كان مع شريك فلسطيني أو انسحاب، عفواً بمعنى أصح إعادة انتشار من طرف واحد. ويمكن اعتبار التهدئة التي وقعها العدو اليهودي مع حركة حماس جزء من تلك السياسة، خاصة وهو لا يريد للحوار الفلسطيني أن ينجح، ويريد أن يستمر كلا الطرفان الفلسطينيان في التسابق على تقديم التنازل له من أجل التفرغ لصراعهما، ولحسم معركة مَنْ سيقود منظمة التحرير والجماهير الفلسطينية والقضية، والأهم؛ أنه في حال انتهى عام 2008 ولم يتم التوصل لتسوية مع السلطة الفلسطينية التي يهدد رئيسها بأنه سيلجأ إلى خيارات أخرى، وما يخشاه العدو اليهودي هو أن يتغلب التيار المعادي في حركة فتح لاستمرار المفاوضات والعودة للمقاومة أن يكره الرئيس عباس على حل السلطة، أو على الأقل أن يفعل كما فعل الراحل ياسر عرفات العودة للمقاومة كورقة ضغط على العدو لتقديم تنازلات، علماً أن تلك السياسة فشلت ودفع الراحل عرفات حياته ثمناً لها ولرفضه التفريط، وهكذا تكون فتح أقرب إلى الفصائل المقاومة منها للمفاوضات، وذلك ما سيدفع العدو اليهودي ثمنه غالياً كما حدث في سنوات الانتفاضة، لذلك وهو الذي خبر نفسية حركة حماس وطموحاتها في السنوات الأخيرة، أراد أن يستبق أي تغير في الواقع أو السياسة الفلسطينية وأن يبذر مزيد من بذور الشقاق بين الإخوة والأشقاء وأبناء الوطن الواحد، ووقع اتفاق التهدئة مع حركة حماس التي تحرص أشد الحرص على عدم خرقه على الرغم من عشرات الخروقات اليهودية له، على الرغم من عدم تغير الوضع في قطاع غزة عما كان قبل توقيع اتفاق التهدئة؟!.
بمعنى أن التهدئة يمكن أن تنتقل إلى الضفة الغربية بعد ستة أشهر في حال نجاحها في غزة، وفي ظل النفسية الفلسطينية وخاصة مَنْ يحرص على المكاسب الحزبية ويسعى لقيادة منظمة التحرير والحرص الزائد على عدم خرقها على الرغم من عدم التزام العدو بها، وقد نصورها أنها ناجحة كما صورناها أنها انتصار، وما أن ينتهي عام 2008 وتبدأ السلطة في إعادة النظر في (السلام والمفاوضات) كخيار استراتيجي، يكون سريانها بحسب اتفاق التهدئة بدأ يمتد إلى الضفة، وإن لم يكن العدو قد أكمل مخططاته في الضفة والقدس بالتحديد ولم ينتهي من بناء الجدار، يكون قد حصل على مزيد من الوقت لتنفيذ تلك المخططات ضد الأرض، ونحن مشغولون في المناكفات والصراعات الحزبية على الفتات!.
كتبها مصطفى إنشاصي في 10:05 صباحاً ::
الاسم: مصطفى إنشاصي
